يُعد الدكتور زغلول النجار أحد أبرز العلماء والدعاة الذين جمعوا بين تخصص الجيولوجيا والعلوم الطبيعية، وبين البحث في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
لقد شهدت حياته مسارًا متنوعًا ومثيرًا — من طفل حفظ القرآن في قريته بمحافظة الغربية، إلى أستاذ جامعي في كبرى جامعات العالم، ثم داعية ومفسّر يعكف على كشف العلاقة بين النص القرآني والحقائق العلمية الحديثة.
توفي النجار مساء الأحد 9 نوفمبر 2025 عن عمر ناهز 92 عامًا، وتم تشييعه في الأردن يوم الإثنين 10 نوفمبر، حسبما أعلنت صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.
في هذا المقال الصحفي المتكامل، نستعرض سيرة الدكتور زغلول النجار منذ نشأته حتى رحيله، مرورًا بمسيرته العلمية والدعوية، وإنجازاته في مجال الإعجاز العلمي في القرآن، والجدل الذي أثارته أفكاره في الأوساط الأكاديمية والإسلامية.
النشأة والبدايات الأولى
ولد زغلول راغب محمد النجار عام 1933 في محافظة الغربية بمصر، في أسرة مصرية متدينة اهتمت بالعلم والدين معًا. حفظ القرآن الكريم في سن الثامنة تقريبًا في أحد الكتاتيب، وقد أشاد النجار بدورها الكبير في صقل لغته العربية وتنمية مهاراته في النطق الصحيح ومخارج الحروف.
انتقل النجار في صغره إلى القاهرة مع والده الذي كان يعمل معلماً في عام 1945، وهناك التحق بمدرسة شبرا الثانوية حيث بدأت ملامح نبوغه العلمي تظهر بوضوح، إذ كان من الطلاب المتفوقين في المواد العلمية والأدبية معًا.
كان والده يشجعه على القراءة في مختلف المجالات، فقرأ في سن مبكرة كتبًا في الجغرافيا والجيولوجيا والتاريخ الإسلامي، مما رسّخ في ذهنه حب المعرفة والبحث.
اقرأ أيضاً: موعد صرف حساب المواطن دفعة نوفمبر 2025
أين يعيش زغلول النجار؟
كان الدكتور زغلول النجار يقيم في السنوات الأخيرة من حياته في المملكة الأردنية الهاشمية، وتحديدًا في العاصمة عمّان، حيث استقر هناك بعد مسيرة علمية طويلة قضاها بين مصر والسعودية والكويت وبريطانيا والولايات المتحدة.
انتقل إلى الأردن بعدما تلقّى دعوة لتأسيس قسم الإعجاز العلمي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية عام 2010، وظلّ يقيم فيها حتى وفاته في نوفمبر 2025. وقد واصل نشاطه الدعوي والعلمي في الأردن، فكان يلقي محاضرات ويشارك في ندوات علمية ودينية، إلى جانب حضوره مناسبات رسمية ودينية مثل احتفالات المولد النبوي الشريف.
من هو زغلول النجار؟
الدكتور زغلول راغب محمد النجار (1933 – 2025) هو عالم جيولوجيا وداعية مصري اشتهر بربط الحقائق العلمية الحديثة بآيات القرآن الكريم تحت مسمّى الإعجاز العلمي في القرآن. وُلد في محافظة الغربية بمصر، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم تخرّج في كلية العلوم بجامعة القاهرة عام 1955 بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف في تخصص علوم الأرض.
حصل على الدكتوراه من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1963، ودرّس في جامعات عربية وأجنبية، من بينها جامعة الكويت وجامعة كاليفورنيا.
عُرف أيضًا بكتاباته ومقالاته الأسبوعية في صحيفة الأهرام المصرية التي تناول فيها تفسير الآيات القرآنية من منظور علمي، وألّف العديد من الكتب والموسوعات في هذا المجال، مما جعله أحد أبرز الوجوه في حقل الإعجاز العلمي بالعالم الإسلامي.
ما هي ديانة زغلول النجار؟
ينتمي الدكتور زغلول النجار إلى الديانة الإسلامية، وكان من أبرز الدعاة المدافعين عن الإسلام من خلال العلم. اشتهر بجهوده في تأكيد التوافق بين النص القرآني والاكتشافات العلمية الحديثة، معتبرًا أن القرآن الكريم يحوي إشارات علمية سبقت الاكتشافات الغربية بقرون.
وقد كان يرى أن العلم وسيلة من وسائل تدبّر خلق الله وإثبات صدق الوحي الإلهي. ومن خلال كتبه ومحاضراته، دعا النجار إلى الجمع بين الإيمان والعقل، مؤكّدًا أن الإسلام لا يتعارض مع البحث العلمي بل يحثّ عليه، وهو ما جعل منه شخصية مثيرة للاهتمام والجدل في آنٍ واحد داخل الأوساط الدينية والعلمية.
الدراسة الجامعية
في عام 1951 التحق الدكتور زغلول النجار بكلية العلوم في جامعة القاهرة، وتخصص في قسم الجيولوجيا.
تخرج عام 1955 بدرجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف في علوم الأرض، وكان ترتيبه الأول على دفعته، ما أهّله ليصبح معيدًا بالكلية، إلا أن الظروف السياسية التي عاشتها مصر في تلك الحقبة غيّرت مسار حياته مؤقتًا.
فقد اُعتقل النجار في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بسبب انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، ومكث في السجن الحربي لمدة تسعة أشهر، قبل أن يُعرض على محاكمة عسكرية انتهت بتبرئته.
ورغم هذه التجربة الصعبة، لم تثنه عن مواصلة طريقه العلمي، بل زادته إصرارًا على البحث والتحصيل.
بداية العمل الأكاديمي في الخارج
بعد الإفراج عنه، سافر الدكتور زغلول النجار إلى المملكة العربية السعودية عام 1956، حيث عمل محاضرًا في جامعة الملك عبد العزيز لمدة عامين تقريبًا، ثم انتقل إلى بريطانيا عام 1960 للحصول على درجة الدكتوراه في علوم الأرض من جامعة ويلز، والتي نالها عام 1963.
أثبت النجار خلال دراسته في بريطانيا كفاءة علمية مميزة، حتى حصل على منحة زمالة بحثية لمدة عامين إضافيين بعد الدكتوراه، وقدم خلالها أبحاثًا مهمة حول “عمر الصخور” وتطور الطبقات الجيولوجية، وهي أبحاث نُشرت في مجلات علمية عالمية مرموقة.
ويروي في أحد لقاءاته أن تلك السنوات في الغرب كانت مرحلة فارقة في حياته، إذ فتحت أمامه آفاقًا جديدة لفهم الكون من منظور علمي وديني متكامل.
العودة إلى الوطن العربي وتأسيس قسم علوم الأرض بالكويت
بعد انتهاء دراسته في بريطانيا، عاد الدكتور زغلول النجار إلى الوطن العربي، وشارك في تأسيس قسم علوم الأرض بجامعة الكويت عام 1964، حيث عمل أستاذًا ورئيسًا للقسم حتى عام 1971.
ساهم في وضع المناهج التعليمية الخاصة بعلوم الجيولوجيا في الجامعات الخليجية، كما أشرف على العديد من الرسائل العلمية والأبحاث التطبيقية حول جيولوجيا شبه الجزيرة العربية.
وفي تلك الفترة، بدأ اهتمامه يتزايد بالربط بين الظواهر الكونية التي يدرسها علميًا، وبين الإشارات القرآنية التي تتناول خلق الأرض والجبال والبحار، فكانت تلك البذرة الأولى لفكرة “الإعجاز العلمي في القرآن الكريم”.
الدكتور زغلول النجار والإعجاز العلمي في القرآن
يُعد النجار من أوائل العلماء العرب الذين طرحوا مصطلح “الإعجاز العلمي في القرآن” بشكل أكاديمي ومنهجي.
رأى أن القرآن الكريم يحتوي على إشارات كونية دقيقة تسبق العلم الحديث في وصف الظواهر الطبيعية، مثل تكوين الجبال، ودورة الماء، ونشأة الكون، وتكوين الجنين.
خصّصت جريدة الأهرام المصرية في فترة من الفترات صفحة أسبوعية لمقالاته بعنوان “الإشارات الكونية في القرآن الكريم ودلالتها العلمية”، والتي لاقت رواجًا واسعًا في مصر والعالم الإسلامي.
كما ألّف العديد من الكتب والموسوعات في هذا المجال، من أبرزها:
- الإعجاز العلمي في السنة النبوية.
- الإشارات الكونية في القرآن الكريم.
- من آيات الإعجاز في خلق الإنسان.
- الأرض في القرآن الكريم.
وقد تُرجمت بعض مؤلفاته إلى الإنجليزية والفرنسية والإندونيسية.
الجوائز والتكريمات
نال الدكتور زغلول النجار تقديرًا واسعًا من مؤسسات علمية ودينية حول العالم، ومن أبرز الجوائز التي حصل عليها:
1- جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم عام 2006 تقديرًا لإسهاماته في نشر ثقافة الإعجاز العلمي.
2- الدكتوراه الفخرية من جامعة العلوم الإسلامية في ماليزيا عام 2010 بحضور رئيس الوزراء مهاتير محمد.
3- تكريم من نقابة المهندسين الأردنية عام 2017 تقديرًا لمساهماته العلمية والدعوية.
كما تمت دعوته لتأسيس قسم الإعجاز العلمي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية بالأردن، حيث عمل أستاذًا لمدة سبع سنوات قبل أن يتقاعد لأسباب صحية.
مواقفه الفكرية والسياسية
لم يكن الدكتور زغلول النجار عالمًا منعزلًا عن قضايا أمته، بل كان دائم التعبير عن آرائه السياسية والاجتماعية.
فقد أعلن معارضته لزيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس عام 1977، معتبرًا أن القضية الفلسطينية قضية مركزية لا يجوز التنازل عنها.
كما شارك في مؤتمرات عالمية عدة تحدث فيها عن “نهاية الحضارة المادية الغربية” وضرورة عودة الإنسانية إلى الإيمان بالله.
وفي السبعينيات، ألقى محاضرات في الجامعات الأمريكية حول “الإسلام والعلم”، وساهم في تصحيح الصورة النمطية عن الدين الإسلامي بين طلاب الغرب.
الانتقادات التي واجهها
على الرغم من شهرته الكبيرة في العالم الإسلامي، واجه الدكتور زغلول النجار انتقادات من بعض العلماء والأكاديميين الذين رأوا أن ربط الآيات القرآنية بالنظريات العلمية قد يكون مجازفة.
ففي عام 2017، وخلال محاضرة ألقاها في جامعة فاس المغربية، طرح بعض الطلاب أسئلة حول مدى دقة الربط بين الآيات والنظريات الكونية الحديثة، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا.
وردّ النجار بأن هدف الإعجاز العلمي ليس “إثبات صحة القرآن بالعلم”، وإنما “تدبر آيات الله في الكون وتحفيز المسلمين على البحث والاكتشاف”.
ورغم الجدل، ظلّ متمسكًا بموقفه القائل إن “العلم الحديث لا يتعارض مع الوحي الإلهي بل يؤكده”.
إرثه العلمي والدعوي
ترك الدكتور زغلول النجار إرثًا علميًا ضخمًا، إذ ألّف أكثر من 45 كتابًا ومئات المقالات، وألقى مئات المحاضرات داخل العالم الإسلامي وخارجه.
جمع في أسلوبه بين المنهج العلمي واللغة الدعوية الهادئة، وكان يرى أن الإيمان والعقل لا يتناقضان، بل يكمل أحدهما الآخر.
كما ساهم في تأسيس اتجاه فكري جديد داخل الخطاب الإسلامي المعاصر، يقوم على استخدام نتائج العلم الحديث في تعزيز فهم النصوص القرآنية.
وما يزال الكثير من الباحثين يعتمدون على مؤلفاته كمراجع أساسية في دراسات “الإعجاز العلمي”.
رحيله وردود الفعل
في 9 نوفمبر 2025، أعلنت الصفحة الرسمية للدكتور زغلول النجار على فيسبوك وفاته في الأردن عن عمر ناهز 92 عامًا، بعد مسيرة علمية ودعوية حافلة.
وقد نعاه عدد كبير من العلماء والمفكرين العرب والمسلمين، الذين وصفوه بأنه “أحد رموز الفكر العلمي الإسلامي المعاصر”.
وقال أحد تلاميذه: “كان الدكتور زغلول موسوعة تمشي على الأرض، يجمع بين الإيمان العميق والعقل التحليلي الدقيق، وكان مثالًا للعالم الذي يوظف علمه في خدمة الدين والإنسان”.
دُفن في الأردن حيث عاش آخر سنوات حياته أستاذًا وباحثًا متفرغًا في مجال الإعجاز العلمي.
إن مسيرة الدكتور زغلول النجار تمثل نموذجًا فريدًا للعالم المسلم الذي جمع بين المعرفة الحديثة والإيمان الراسخ.
فقد استطاع أن يثبت أن الدين والعلم ليسا خصمين، بل حليفان في سبيل فهم أسرار الكون.
وبينما رحل الجسد، فإن فكر النجار لا يزال حاضرًا في الجامعات والندوات ووسائل الإعلام، مُلهمًا أجيالًا جديدة من الباحثين الذين يسعون إلى ربط الإيمان بالعلم.
لقد كان بحق جسرًا بين الماضي والمستقبل، بين النص المقدس والاكتشاف الحديث، وبين العقل والقلب.
وستبقى ذكراه حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي كرمزٍ لعالِمٍ آمن بأن القرآن كتاب هداية وعلم في آن واحد.
